محمد أبو زهرة

1427

زهرة التفاسير

وأن الحرب لا تخلو من فرح ونكاية ، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير أن يصيبكم الجرح ، وتدموا « 1 » في الحروب ، ويكون منكم شهداء . وقوله تعالى : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ . المراد من العلم فيها المعلوم ، أي ولما يستبن لكم أمركم ، ويظهر لكم جهاد المجاهدين وصبر الصابرين ، فالمعنى ظهور علم اللّه الواقع فيكم وبيانه لكم ، وذلك لأن اللّه يعلم الأمور قبل وقوعها ، فلا يتصور أن يكون غير عالم حتى تقع ، بل المراد وقوع ما علمه اللّه تعالى وظهوره وكشفه وإعلانه محسا واقعا ، بعد أن كان خفيا لا يعلمه إلا علام الغيوب ، وقد تكلموا في الحكمة في أن اللّه تعالى عبر في نفى المعلوم الواقع بنفي العلم الثابت ، فقال : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ ولم يقل : ولما يقع معلوم اللّه ، ونقول : إن حكمة ذلك هو تعليمنا بألا نحكم إلا بما يظهر ويقوم عليه الدليل المحسوس ، ولا يحكم أحد بما يتوقع ، فاللّه العليم بكل شئ يرشد إلى أنه يترك الحكم في الأمر حتى يقع ما حكم به محسوسا ملموسا . وقد نفى اللّه تعالى « العلم » بكلمة « ولما » وهي في معنى لم ، بيد أنها تمتاز عنها بأنها تنفى الأمر في الماضي والحاضر ، وتومئ إلى وقوعه في المستقبل ، ففي الآية إيماء إلى أن المعلوم وهو المجاهدون ، لم يكونوا معلومين قبل الاختبار ، وكانوا بعد الاختبار ، وظهرت تلك الصفة فيهم . وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ . أي ويقع المعلوم الثاني الذي قدره اللّه تعالى ، وهو أن يتميز الصابرون من غيرهم ، فالابتلاء الشديد أظهر نوعين من الرجال : أولهما - المجاهدون الذين يجالدون ولا يفرون ولا يولون الأدبار ، ولا يذهب ببأسهم قوة عدوهم ، وفشل فريق من إخوانهم . والفريق الثاني الذي أظهره هم الذين صبروا ولم تذهب قلوبهم شعاعا ، ولم يذهب تفكيرهم ، ولم يضع رشدهم ، ولم تطش أحلامهم ، وقد يقول قائل : إن الجهاد يتضمن الصبر ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الصبر عند

--> ( 1 ) من دمي : إذا تلوث بالدم . الصحاح . والمقصود هنا ما أصابهم من جراحات وقتل .